محمد بن جرير الطبري

365

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقولُ نَابغةَ بني جعدة : يَا بِنْتَ عَمِّي ، كِتَابُ اللهِ أَخْرَجَنِي . . . عَنْكُم ، فَهَلْ أَمْنَعَنَّ اللهَ مَا فَعَلا ! ( 1 ) وذلك أكثر في أشعارهم وكلامهم من أن يحصى . غير أن ذلك ، وإن كان بمعنى : فُرض ، فإنه عندي مأخوذ من " الكتاب " الذي هو رسمٌ وخَط . وذلك أن الله تعالى ذكره قد كتب جميعَ ما فرَض على عباده وما هم عاملوه في اللوح المحفوظ ، فقال تعالى ذكره في القرآن : ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) [ سورة البروج : 21 - 22 ] وقال : ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ) [ سورة الواقعة : 77 - 78 ] . فقد تبين بذلك أن كل ما فرضه علينا ، ففي اللوح المحفوظ مكتوبٌ . فمعنى قوله : - إذ كان ذلك كذلك - " كُتب عليكم القصاص " ، كتب عليكم في اللوح المحفوظ القصَاصُ في القتلى ، فَرضًا ، أن لا تقتلوا بالمقتول غير قاتله . * * * وأما " القصاص " فإنه من قول القائل : " قاصصتُ فلانًا حقّي قِبَلهُ من حَقه قبلي ، قصاصًا ومُقاصَّة " . فقتل القاتل بالذي قتله " قصاص " ، لأنه مفعول به مثلُ الذي فعَل بمن قتله ، وإن كان أحد الفعلين عُدوانًا والآخر حَقًّا . فهما وإن اختلفا من هذا الوجه ، فهما متفقان في أن كل واحد قد فعَل بصاحبه مثل

--> ( 1 ) اللسان ( كتب ) وأساس البلاغة ( كتب ) ، والمقاييس 5 : 159 ، ويروي " يا ابنة عمي " ، وفي الأساس : " أخرني " ، فأخشى أن تكون خطأ من ناسخ .